عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي
326
أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )
فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له مالك ، فقال إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة . فنزلت ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي . * ( أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ) * * ( أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ) * أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله : أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى ( 13 ) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّه يَرى ( 14 ) * ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وتَوَلَّى ) * * ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّه يَرى ) * والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له . والمعنى أخبرني عمن ينهى بعض عباد اللَّه عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه ، أو آمرا * ( بِالتَّقْوى ) * فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده ، أو إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الصواب كما تقول ، * ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّه يَرى ) * ويطلع على أحواله من هداه وضلاله . وقيل المعنى * ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً ) * يصلي والمنهي على الهدى آمرا بالتقوى ، والناهي مكذب متول فما أعجب من ذا . وقيل الخطاب في الثانية مع الكافر فإنه سبحانه وتعالى كالحاكم الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى ، وكأنه قال يا كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى اللَّه سبحانه وتعالى أمرا بالتقوى أتنهاه ، ولعله ذكر الأمر بالتقوى في التعجب والتوبيخ ولم يتعرض له في النهي لأن النهي كان عن الصلاة والأمر بالتقوى ، فاقتصر على ذكر الصلاة لأنه دعوة بالفعل أو لأن نهي العبد إذا صلى يحتمل أن يكون لها ولغيرها ، وعامة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة وغيره بالدعوة . كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَه لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) * ( كَلَّا ) * ردع للناهي . * ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَه ) * عما هو فيه . * ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) * لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة ، وقرئ لنسفعنّ بنون مشددة و « لأسفعن » ، وكتابته في المصحف بالألف على حكم الوقف والاكتفاء باللام عن الإضافة للعلم بأن المراد ناصية المذكور . * ( ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ) * بدل من الناصية وإنما جاز لوصفها ، وقرئت بالرفع على هي ناصية والنصب على الذم ووصفها بالكذب والخطأ ، وهما لصاحبها على الإسناد المجازي للمبالغة . فَلْيَدْعُ نادِيَه ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) كَلَّا لا تُطِعْه واسْجُدْ واقْتَرِبْ ( 19 ) * ( فَلْيَدْعُ نادِيَه ) * أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ينتدي فيه القوم . روي أنا أبا جهل لعنه اللَّه مر برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وهو يصلي فقال : ألم أنهك ، فاغلظ له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا فنزلت . * ( سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ) * ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط واحدها زبنية كعفرية من الزين وهو الدفع ، أو زبني على النسب وأصلها زباني والتاء معوضة عن الياء . * ( كَلَّا ) * ردع أيضا للناهي . * ( لا تُطِعْه ) * أي أثبت أنت على طاعتك . * ( واسْجُدْ ) * داوم على سجودك . * ( وَاقْتَرِبْ ) * وتقرب إلى ربك وفي الحديث « أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد » . عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم « من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله » .